السيّد الصافي: التغييرُ في المناهج التعليميّة والبحثيّة وسيلةٌ من أجل التطوير وليست هدفاً بحدّ ذاتها

79

2020/10/22

        استُهِلّ افتتاحُ مؤتمر العميد العلميّ العالميّ الخامس الذي انطلقت فعّالياتُه صباح هذا اليوم (4 ربيع الاول 1442هـ) الموافق لـ(22 تشرين الأوّل 2020م) إلكترونيّاً عبر المنصّة الافتراضيّة ZOOM))، بكلمةٍ قيّمة للمتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه)، كان ممّا جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلّى اللهُ على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

        السلامُ عليكم أيّها الإخوة الأعزّاء والأساتذة الأفاضل في هذا المؤتمر المبارك (مؤتمر العميد)، وتحت العنوان الذي كان ماثلاً أمامنا في السنوات الماضية وهو (نلتقي لنرتقي).

بدءًا أتوجّه بالشكر الجزيل لكلّ الطاقات الفكريّة والتربويّة والعلميّة التي استجابت لدعوة هذا المركز الكريم، ومحاولة إيجاد بعض الحلول لشعار المؤتمر في هذه السنة وهو (المناهج التعليميّة والبحثيّة.. التأصيل والتحليل والتأهيل)، داعياً الله تبارك وتعالى أن يوفّق الجميع لما يحبّ ويرضى، وأن يجعل هذا الجهد خلّاقًا ونقطةً مضيئةً في سماء المعرفة والعلم، وأن تكون آثارُه طيّبةً على مجمل المناهج التعليميّة والتربويّة.

وأؤكّد على ضرورة الاطّلاع على مناهج المعرفة بصورةٍ عامّة، ودراسة هذه المناهج التي وُضعتْ سواءً كانت المناهج العقليّة أو المناهج الاستقرائيّة أو المناهج التجريبيّة أو المناهج الرياضيّة.

على أنّ هناك حراكاً إنسانيّاً مستمرّاً لحاجة الإنسان الى أن يعلم ويعرف ويتعلّم، فكان لابُدّ لهذا التطوّر أن يفرز بعض نتائج هذا الفكر، والواقع أنّ هذه الدراسة ومنها مسألة الاطّلاع على المناهج، تجعل الخطوة سهلةً عندما نضع قواعد تأصيليّة جديدة، أو تحديث القديم بشكلٍ يتلاءم مع لغة العصر، مع ملاحظة الجانب التحليليّ لكلّ منهج، على أن يأخذ الترتيب الزمنيّ حيزًا مهمًّا من الجانب التحليليّ.

والوجه في ذلك أنّ المراحل التاريخيّة لها تأثيرٌ مهمّ في تطوّر المناهج المعرفيّة، بشرط أن يكون الباحث الكريم على حذرٍ شديد جدّاً في فرز الأفكار والرؤى التي أنتجها التاريخ، وهذه الأفكار والرؤى التي أنتجها التاريخ سبب الحذر منها واقعاً هو الخوف من الوقوع في فخّ ما نُسمّيه سلطويّة الأفكار، أو قُلْ أفكار السلطة، يعني التأثير السلبيّ على حريّة الفكر؛ بسبب الإرهاب السلطويّ وإظهار هذا الجانب بمظهرٍ علميّ وهو بعيدٌ عن ذلك.

        ولا يخفى على الإخوة أنّ المناهج المعرفيّة الإنسانيّة تختلف عن المناهج في العلوم التطبيقيّة، فأصول المنهج في العلوم الإنسانيّة يختلف عن أصوله في العلوم التطبيقيّة، فلابُدّ من تمييز هذه المدرسة عن تلك، وإيجاد السبل الكفيلة الناجحة أيضاً لوضع هذه المناهج.

        على أنّه لابُدّ أن نلتفت الى قضيّة وهي قطعاً غير خافية على الإخوة الأعزّاء؛ أنّ هذه المناهج لابُدّ أن نرصد الأثر المترتّب عليها، ونعني بذلك الفائدة هي ليست مجرّد التغيير من أجل التغيير وإنّما لابُدّ أن يكون التغيير من أجل التطوير، وبعض المناهج قد تكون قديمة لكنّها ركّزت على نقاط تفتح مجالاً كبيراً للأخ الباحث، وتثير فيه نزعة الاهتمام والتفتيش والبحث، ويتحمّل هو نتيجة ما يفعل ونتيجة ما يبحث.

هناك مناهج قد تغلق الباب إزاء عمليّة التطوير، فهي أشبه بقوالب جاهزة، وهذا غير صحيح، وأعتقد أنّ الجانب المعرفيّ الكبير الواسع، يجب أن يأخذ مساحةً كبيرةً منّا؛ لأنّ عناوين المناهج -حقيقةً- عناوين ضخمة، يعني ليس من السهل على الإنسان أن يتصدّى لبناء منهجٍ يُفترض أن يخاطب طبقةً بشريّة واسعة، أو يحاول أن يُحدث تغييراً في مراحل النموّ التاريخيّ لعموم المجتمعات.

قطعاً هذا أمرٌ ليس سهلاً، الذي يتصدّى لذلك لابُدّ أن يحيط خبراً بكثيرٍ من المناهج المعرفيّة، ويحلّل هذه المناهج ويؤشّر أنّ هذه النقطة هنا سلبيّة أم لا.

        نعم.. يُمكن جعل توليفةٍ من مجموعة مناهج ونخرج برؤيةٍ أخرى، وإن كانت هذه الرؤية هي متّكئة على الموروث، وطبعاً الموروث مهمٌّ جدّاً، يعني ألّا نفصل أنفسنا عن الموروث في بعض الحالات، الموروث موجود لكن المشكلة أنّنا لم نعمل به، وهذه نقطةٌ في غاية الأهمّية.

        قد توجد هناك مناهج جيّدة لكن لم يتوفّق أحدٌ للعمل بها لسببٍ من الأسباب، إمّا لأنّ هذه المناهج لم تُتَحْ لها الظروفُ المناسبة لتخرج إلى النور، أو أنّ الذي وضع المنهج كان ضعيفاً في التأثير فهناك غلبةٌ لآخرين عليه، وبالنتيجة بعضُ المناهج لم ترَ النور مع أنّها لو تُقرأ قراءةً ثانيةً لكانت جيّدة جدّاً.

أعتقد أنّ قطع أواصر العلاقة بالموروث، بالقديم، بالحضارة، عملٌ خطرٌ جدّاً، لأنّه سيجعلنا معلّقين أو منفصلين عن المسار التكامليّ الطبيعيّ للحضارة، فالأخيرة عمليّةٌ تطويريّة، وعندما نقرأ الماضي قد نجد واقعاً أنّ هناك أفكاراً سبق فيها المفكّرون والعلماءُ أقرانهم، بل حتّى في هذا العصر، الكثير لم يستطيعوا اللّحاق بأولئك الأقدمين لبراعتهم ودقّة أفكارهم.

        ولذلك ينبغي -وهذا أمرٌ ربّما يكون هذا المؤتمر غير معنيٍّ به بشكلٍ مباشر- أن يكون على هامش المؤتمر تحقيقٌ لموروثاتنا الفكريّة المهمّة، التي قد نجد فيها ضالّتنا، وهذا مطلبٌ في غاية الأهمّية، يعني التركيز على المناهج الموروثة والاستفادة منها أو على الأقلّ نقدها وتحليلها، تعرفون أنّ المرحلة التاريخيّة لها علاقة بالمنهج، مثلاً هذه المرحلة تتطلّب هذا المنهج.

        أنا لا أريد أن أخوض في ذكر المناهج بشكلٍ تفصيليّ، فهذا أمرٌ موكولٌ الى حضراتكم الكريمة، لكن هذه مقدّمةٌ أحببت أن أكون بها في خدمتكم.

داعياً الله تبارك وتعالى لكم دوام التسديد والتوفيق في مهمّتكم، وإن شاء الله ننتظر نتائج طيّبة ممّا يفرزه هذا المؤتمر، كلّ الإخوة الأعزّاء في العراق وخارجه يشعرون أنّ الهمّ مشترك والتطلّعات مشتركة أيضاً، على أمل أن تتحسّن الظروف، وأن نلتقي مع الإخوة في عراقنا الحبيب بدورتهم الآتية، فأهلاً وسهلاً بهم متمنّين لهم دوام الرفاهية والازدهار، وصلّى الله على محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين.





0 تعليقات
التعليقات

اضافة تعليق

ملاحظة: لطفا التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر.

1000/